السيد عبد الأعلى السبزواري
137
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
شهدت الملائكة وأولوا العلم الذين ملأ قلوبهم نور الإيمان به ، وبيّن ثانيا قيامه بالعدل ، ثم بيّن ثالثا الدستور في حياة الإنسان ، وأنه الإسلام الذي هو دين الحقّ والحقيقة ، وأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله أن يدعو الذين أوتوا الكتاب جميعا إلى هذا الدين الواحد ، ويترك الجدل معهم بعد إقامة الحجج القويمة والبراهين الساطعة على الإسلام ، وأنذرهم على المخالفة وأوعدهم الحساب والعذاب . فكانت الآيات المباركة ذا نسق واحد مشتملة على ما تقدّم من البراهين والشهادة والبيّنة عليها ، لتكون ثابتة وقويمة لا يقدر على إنكارها منكر ، وإلا استحق العذاب بعد إقامة الحجّة والبرهان . التفسير قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . مادة ( شهد ) : تدلّ على الحضور والمشاهدة بالبصر والبصيرة ، ولا حضور أقوى من حضور ما سواه تعالى لديه عزّ وجلّ ، فهو حاضر بذاته لذاته ، وما هو عين ذاته من صفاته ، التي منها وحدانيّته ومعبوديّته المطلقة . ومن أسمائه تعالى ( الشهيد ) ، أي هو الذي لا يغيب عنه شيء ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ سورة الحج ، الآية : 17 ] . وشهادة الحقّ جلّ جلاله ، هو ظهور ذاته بذاته لذاته ، وجميع أسماء الجمال والجلال تنطوي في تلك المرتبة ، وهي محيطة بها فوق ما يدرك من معنى الإحاطة ، فالهوية المطلقة والمعبوديّة الحقّة منحصرة به جلّت عظمته ، وهذا معنى ما في جملة من الدعوات المعتبرة : « يا من هو ، يا من ليس هو إلا هو » ، وقوله عليه السّلام : « يا من دلّ على ذاته بذاته » . وهذا معنى ما أثبتوه في الفلسفة من أن الممكن من ذاته ليس ، ومن حيث الإضافة إلى علّته أيس ( أي موجود ) . وهذا المعنى - أي الجامعيّة لجميع صفات الجلال والجمال ، المسلوب عنه